السيد محمد حسين فضل الله
43
من وحي القرآن
منهم إلى أن الرَّحْمنِ هو المنعم بجلائل النعم ، وأن الرَّحِيمِ هو المنعم بدقائقها ، وذهب آخرون إلى أن الرَّحْمنِ هو المنعم على جميع الخلق ، وأن الرَّحِيمِ هو المنعم على المؤمنين خاصة ، وذهب رأي ثالث إلى أن الوصفين بمعنى واحد ، وأن الثاني تأكيد للأول . وذكر بعض المفسرين أن صيغة الرحمن مبالغة في الرحمة ، ويعلّق السيد الخوئي ( قده ) عليه فيقول : « وهو كذلك في خصوص هذه الكلمة ، سواء أكانت هيئة فعلان مستعملة في المبالغة أم لم تكن ، فإن كلمة الرَّحْمنِ في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلق ، فيستفاد منها العموم وأن رحمته وسعت كل شيء ، ومما يدلنا على ذلك ، أنه لا يقال : إن اللَّه بالناس أو بالمؤمنين لرحمن ، كما يقال : إن اللَّه بالناس أو بالمؤمنين لرحيم » . أمّا صفة الرَّحِيمِ فهي « صفة مشبّهة أو صيغة مبالغة . ومن خصائص هذه الصيغة أنها تستعمل غالباً في الغرائز واللوازم غير المنفكّة عن الذات كالعليم والقدير والشريف والوضيع والسخي والبخيل والعلي والدانيّ . فالفارق بين الصفتين : أن الرحيم يدل على لزوم الرحمة للذات وعدم انفكاكها عنها ، والرحمن يدل على ثبوت الرحمة فقط ، ومما يدلّ على أن الرحمة في كلمة « الرَّحِيمِ » غريزة وسجيّة : أن هذه الكلمة ، لم ترد في القرآن عند ذكر متعلقها إلّا متعدية بالباء ، فقد قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 143 ] ، وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 43 ] . فكأنها عند ذكر متعلقها انسلخت عن التعدية إلى اللزوم » « 1 » .
--> ( 1 ) الخوئي ، أبو القاسم ، البيان في تفسير القرآن ، دار الزهراء ، ط : 6 ، 1412 ه - 1992 م ، ص : 429 - 430 .